وحدة الكشاف شعارنا قوة...أخوة...فتوة



مرحبا بك عزيزي الزائر في منتديات فرسان مشعل شعارنا قوة...أخوة... فتوة. المرجوا منك أن تعرّف بنفسك و تدخل المنتدى معنا. إن لم يكن لديك حساب بعد, نتشرف بدعوتك لإنشائه و شكرا لك ,المدير العام:محمد تابليت . santa


وحدة الكشاف شعارنا قوة...أخوة...فتوة

الكشفية مدرسة الجميع
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
http://foursanemichaal.ourtoolbar.com/   التحميل مجاني

.: عدد زوار المنتدى :.

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» حوار بين الرسول وابليس
الجمعة نوفمبر 18, 2011 12:21 pm من طرف mbarek

» فضل الصلاة على الحبيب المصطفى
الجمعة نوفمبر 18, 2011 12:09 pm من طرف mbarek

» هل للدعاء يوم عرفة فضل لغير الحاج ؟
السبت نوفمبر 12, 2011 5:19 am من طرف mbarek

» فضل صيام الأيام العشرة من ذى الحجة
الجمعة نوفمبر 11, 2011 11:32 am من طرف mbarek

» سورة الحجرات اسباب النزول
الجمعة نوفمبر 11, 2011 11:22 am من طرف mbarek

» اسباب نزول سورة الحجرات
الجمعة نوفمبر 11, 2011 11:19 am من طرف mbarek

» الثورة الجزائرية
السبت فبراير 12, 2011 11:32 am من طرف mbarek

» وحدة الأشبال
الجمعة نوفمبر 19, 2010 1:02 pm من طرف nedjemo

» محمد مبارك
الجمعة نوفمبر 19, 2010 12:59 pm من طرف nedjemo

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
issame_ess
 
R.Oussama
 
mbarek
 
zaka05
 
fityanemichaal
 
leader
 
nedjemo
 
محبة الجنة
 
khayri
 
فوج البدر
 

شاطر | 
 

 آدم عليه السلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mbarek
نائب المدير
نائب المدير


الجزائر
الأوسمة :
عدد المساهمات : 103
الإبداع المتميز : 1038
تاريخ التسجيل : 30/09/2009
العمر : 36
الموقع : www.mbarekhm.jeeran

مُساهمةموضوع: آدم عليه السلام   الأربعاء نوفمبر 11, 2009 10:10 am

‏أبو البشر، خلقه الله بيده‎ ‎وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما ‏الجنة وأنذرهما أن لا‎ ‎يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله ‏إلى الأرض ومكن‎ ‎لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله وحده وحض الناس على ذلك، ‏وجعله خليفته في‎ ‎الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء‎.‎


انصرفت مشيئة الله تعالى إلى خلق آدم.. قال الله تعالى وتبارك‎ ‎للملائكة‎:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‎

اختلف الناس في‎ ‎معنى خلافة آدم.. فمن قائل إنه خليفة لجنس سبق على الأرض، وكان ‏هذا الجنس يفسد فيها‎ ‎ويسفك الدماء.. ومن قائل إنه كان خليفة لله تعالى، بمعنى أنه ‏خليفة في إمضاء أحكامه‎ ‎وأوامره، لأنه أول رسول إلى الأرض.. وهذا ما نعتقده.. سأل أبو ذر ‏رسول الله -صلى‎ ‎الله عليه وسلم-، عن آدم: أنبيا كان مرسلا؟ قال: نعم.. قيل: لمن كان ‏رسولا ولم يكن‎ ‎في الأرض أحد؟ قال: كان رسولا إلى أبنائ‎.‎

‎ يبين لنا الله تعالى بداية الأمر بقوله جل من قائل‎:

وَإِذْ قَالَ‎ ‎رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ‎ ‎أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ‏الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ‎ ‎بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‎

وهذه آراء بعد المفسرين في هذه الآية‎.

قال تفسير المنار‎: ‎إن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها، لأنها ‏بحسب قانون‎ ‎التخاطب إما استشارة من الله تعالى، وذلك محال عليه تعالى. وإما إخبار منه ‏سبحانه‎ ‎للملائكة واعتراض منهم وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى ولا بملائكته، واقترح صرف‎ ‎معنى القصة لشيء آخر‎.‎


وقال تفسير الجامع لأحكام القرآن: إن الله تعالى كان قد أخبر ملائكته أنه إذا‎ ‎جعل في ‏الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء، وحين قال تعالى‎:

إِنِّي جَاعِلٌ‎ ‎فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‎

قالوا أهذا هو الخليفة الذي حدثتنا عن إفساده في‎ ‎الأرض وسفكه للدماء، أم خليفة غيره؟ ‏وقال تفسير "في ظلال القرآن": إن الملائكة‎ ‎بفطرتهم البريئة التي لا تتصور إلا الخير والنقاء ‏قد حسبوا أن التسبيح بحمد الله‎ ‎وتقديسه هو الغاية المطلقة للوجود، وهذه الغاية متحققة ‏بوجودهم هم، وسؤالهم يصور‎ ‎دهشتهم ولا يعبر عن اعتراض من أي نوع‎.

رأينا كيف اجتهد كل واحد من المفسرين‎ ‎لكشف الحقيقة. فكشف الله لكل واحد فيهم عمقا ‏منها.. وإنما أوقع في الحيرة عمق‎ ‎القرآن.. وتقديم القصة بأسلوب الحوار، وهو أسلوب بالغ ‏التأثير والنفاذ. إن الله‎ ‎تعالى يحكي لنا القصة بأسلوب الحوار، وليس من الضروري أن تكون ‏قد وقعت بنفس هذا‎ ‎الأسلوب.. ألا ترى أن الله تعالى يقول في سورة (فصلت‎):

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى‎ ‎السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ‎ ‎كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ‎

هل يتصور أحد من الناس أن الله عز‎ ‎وجل قد خاطب السماء والأرض، وردت عليه السماء ‏والأرض ووقع بينهما هذا الحوار..؟‎ ‎إنما يأمر الله تعالى السماء والأرض فتطيع السماء ‏والأرض. وإنما صور الله ما حدث‎ ‎بأسلوب الحوار لتثبيته في الذهن، وتأكيد معناه وإيضاحه‎.

لذلك نرى أن الله‎ ‎تعالى حين قرر خلق آدم، حدث ملائكته من باب إعلامهم كي يسجدوا له، ‏لا من باب أخذ‎ ‎رأيهم أو استشارتهم.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. حدثهم الله تعالى أنه ‏سيجعل في‎ ‎الأرض خليفة، وأن هذا الخليفة ستكون له ذرية وأحفاد، وأن أحفاده وذريته ‏سيفسدون في‎ ‎الأرض، ويسفكون فيها الدماء. وقامت الحيرة في نفوس الملائكة الأطهار. ‏إنهم يسبحون‎ ‎بحمد الله، ويقدسون له.. والخليفة المختار لن يكون منهم، فما هو السر في ‏ذلك؟ ما هي‎ ‎حكمة الله تبارك وتعالى في الأمر؟ لم تستمر حيرة الملائكة وتشوقهم إلى ‏شرف الخلافة‎ ‎في الأرض ودهشتهم من تشريف آدم بها، لم يستمر هذا الحوار الداخلي ‏طويلا.. ثم ردهم‎ ‎إلى اليقين والتسليم قوله تعالى‎:

إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ‎ ‎تَعْلَمُونَ‎

وبهذه الإشارة إلى علمه المحيط وعلمهم القاصر عاد التسليم‎ ‎واليقين‎.‎

نستبعد وقوع الحوار بين الله تعالى وملائكته تنزيها لله، وإكبارا لملائكته‎.. ‎ونعتقد أن الحوار ‏قام في نفوس الملائكة لحمل شرف الخلافة في الأرض.. ثم أعلمهم الله‎ ‎تعالى أن طبيعتهم ‏ليست مهيأة لذلك ولا ميسرة له. إن التسبيح بحمد الله وتقديسه هو‎ ‎أشرف شيء في ‏الوجود ولكن الخلافة في الأرض لا تقوم بذلك وحده، إنما هي تحتاج إلى‎ ‎طبيعة أخرى. ‏طبيعة تبحث عن المعرفة وتجوز عليها الأخطاء‎.

هذه الحيرة أو هذه‎ ‎الدهشة أو هذا الاستشراف.. هذا الحوار الداخلي الذي ثار في نفوس ‏الملائكة بعد معرفة‎ ‎خبر خلق آدم.. هذا كله يجوز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم ‏شيئا، لأنهم، رغم‎ ‎قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، ‏لا‎ ‎يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون حكمته الخافية، وغيبه المستور، وتدبيره في الخفاء،‎ ‎ولا يعرفون حكمته العليا وأسباب تحقيقها في الأشياء‎.

ولسوف تفهم الملائكة‎ ‎فيما بعد أن آدم نوع جديد من المخلوقات، فهو يختلف عنهم في أن ‏عمله لن يكون تسبيح‎ ‎الله وتقديسه، ولن يكون مثل حيوانات الأرض وكائناتها، يقتصر وجوده ‏على سفك الدماء‎ ‎والإفساد فيها.. إنما سيكون آدم نوعا جديدا من المخلوقات. وستتحقق ‏بوجوده حكمة عليا‎ ‎لا يدريها أحد غير الله. وتلك حكمة المعرفة.. قال الله تعالى‎:

وَمَا‎ ‎خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ‎

قرأها ابن عباس "إلا‎ ‎ليعرفون".. فكأن المعرفة هدف النوع الإنساني وغاية وجوده. وسوف ‏يبين لنا الله‎ ‎بأسلوب الحوار كيف كان ذلك‎.

ولعل اجمل اقتراب من تفسير هذه الآيات كلمة‎ ‎الشيخ محمد عبده.. "إن الحوار في الآيات ‏شأن من شئون الله تعالى مع ملائكته.. صوره‎ ‎لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة ‏والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول،‎ ‎ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا نحن ‏البشر‎.."

أدركت الملائكة أن الله‎ ‎سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سبحانه وتعالى أمره إليهم ‏تفصيلا، فقال إنه‎ ‎سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من روحه فيجب على ‏الملائكة أن تسجد له،‎ ‎والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا ‏يكون إلا لله‎ ‎وحده.. قال تعالى في سورة (ص‎):

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي‎ ‎خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي‎ ‎فَقَعُوا ‏لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73‏‎) ‎إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ‎

جمع الله سبحانه‎ ‎وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأحمر، ‏ولهذا يجيء الناس‎ ‎ألوانا مختلفة.. ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من حمأ ‏مسنون. تعفن‎ ‎الطين وانبعثت له رائحة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا ‏الطين؟ من هذا‎ ‎الصلصال خلق الله تعالى آدم.. سواه بيديه سبحانه، ونفخ فيه من روحه ‏سبحانه.. فتحرك‎ ‎جسد آدم ودبت فيه الحياة.. فتح آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين ‏له.. ما عدا‎ ‎واحدا يقف هناك.. لم يكن آدم قد عرف أي نوع من المخلوقات هذا الذي لم يسجد ‏له.. لم‎ ‎يكن يعرف اسمه.. كان إبليس يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم.. كان من الجن‎.. ‎والمفروض، بوصفه أقل من الملائكة، أن تنطبق عليه الأوامر التي تصدر لهم‎.‎
‎ حكى الله تعالى قصة رفض إبليس السجود لآدم في أكثر من سورة.. قال تعالى في‎ ‎سورة ‏‏(ص‎):

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ‎ ‎بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا ‏خَيْرٌ‎ ‎مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ‎ ‎مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ ‏لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ‎ (78)‎قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ‎ ‎الْمُنظَرِينَ ‏‏(80)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ‎ ‎لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ‎ ‎الْمُخْلَصِينَ‎

إن حجة إبليس التي أوردها الله في آيته هذه تثير العجب‏‎ ‎فعلا.. إنه يتصور أن النار أفضل من ‏الطين.. فمن أين جاءه هذا العلم، والمفروض أن‎ ‎يكون هذا العلم عند الله، فهو الذي خلق ‏النار والطين ويعرف أيهما‎ ‎أفضل..؟‎

أدرك آدم من الحوار أن إبليس مخلوق يتصف باللؤم كما يتصف بالجحود‎. ‎إنه يسأل الله تعالى ‏أن يبقيه إلى يوم البعث، لا يريد إبليس أن يموت، غير أن الله‎ ‎تعالى يفهمه أنه سيبقى إلى ‏يوم الوقت المعلوم.. سيبقى إلى أن يحين أجله فيموت‎.. ‎أدرك آدم أن الله قد لعن إبليس ، ‏وطرده من رحمته بسببه، أدرك أن إبليس لن ينسى له‎ ‎هذا الصنيع.. انتهى الأمر وعرف آدم ‏عدوه الأبدي.. وأدهشت آدم بعض الدهشة جرأة عدوه‎ ‎وحلم الله عز وجل؟؟‎

ربما قال لي قائل: لماذا استبعدت أن يكون قد جرى حوار‎ ‎بين الله عز وجل وملائكته.. ولجأت ‏إلى تأويل الآيات، ولم تستبعد وقوع حوار بين الله‎ ‎تعالى وإبليس؟ وأقول ردا على ذلك: إن ‏العقل يهدي لهذه النتيجة.. إن إمكان قيام حوار‎ ‎بين الله وتعالى وملائكته أمر مستبعد، لأن ‏الملائكة منزهون عن الخطأ والقصور‎ ‎والرغبات البشرية التي تبحث عن المعرفة. انهم بحكم ‏خلقهم، جند طائعون مكرمون.. أما‎ ‎إبليس فهو خاضع للتكليف، وطبيعته، بوصفه من الجن، ‏قريبة من طبيعة جنس آدم.. بمعنى‎ ‎أن الجن يمكن أن يؤمنوا، ويمكن أن يكفروا.. إن وجدانهم ‏الديني يمكن أن يسوقهم إلى‎ ‎تصور خاطئ يسند كبرياء كاذبة.. ومن هذا الموقع وبحكم هذا ‏التكوين، يمكن أن ينشأ‎ ‎حوار.. والحوار يعني الحرية، ويعني الصراع. ولقد كانت طبيعة البشر ‏والجان مركبة‎ ‎بشكل يسمح لهم بالحرية، ويسمح لهم بالصراع. أما طبيعة الملائكة فمن لون ‏آخر لا تدخل‎ ‎الحرية في نسيجه‎.

إن إبليس رفض أن يسجد لآدم.. كان الله تعالى يعلم أنه‎ ‎سيرفض السجود لآدم.. سوف ‏يعصاه.. وكان الله يستطيع أن ينسفه نسفا، أو يحيله إلى‎ ‎حفنة من التراب، أو يخنق بعزته ‏وجلاله كلمة الرفض في فم إبليس.. غير أن الله تعالى‎ ‎يعطي مخلوقاته المكلفة قدرا من ‏الحرية لا يعطيه غيره أحدا.. إنه يعطيهم حرية مطلقة‎ ‎تصل إلى حق رفض أوامره سبحانه.. ‏إنه يمنحهم حرية الإنكار وحرية العصيان، وحرية‎ ‎الاعتراض عليه.. سبحانه وتعالى. لا ينقص ‏من ملكه أن يكفر به الكافرون، ولا يزيد من‏‎ ‎ملكه أن يؤمن به المؤمنون، إنما ينقص ذلك من ‏ملك الكافرين، أو يزيد في ملك‎ ‎المؤمنين.. أما هو.. فتعالى عن ذلك.. فهم آدم أن الحرية ‏نسيج أصيل في الوجود الذي‎ ‎خلقه الله.. وأن الله يمنح الحرية لعباده المكلفين.. ويرتب على ‏ذلك جزاءه‎ ‎العادل‎.

بعد درس الحرية.. تعلم آدم من الله تعالى الدرس الثاني.. وهو‎ ‎العلم.. كان آدم قد أدرك أن ‏إبليس هو رمز الشر في الوجود، كما أدرك أن الملائكة هم‎ ‎رمز الخير، أما هو نفسه فلم يكن ‏يعرف نفسه حتى هذه اللحظة.. ثم أطلعه الله سبحانه‎ ‎وتعالى على حقيقته، وحكمة خلقه، ‏وسر تكريمه.. قال تعالى‎:

وَعَلَّمَ آدَمَ‎ ‎الأَسْمَاء كُلَّهَا‎

أعطاه الله تعالى سر القدرة على اختصار الأشياء في‎ ‎رموز ومسميات. علمه أن يسمي ‏الأشياء: هذا عصفور، وهذا نجم، وهذه شجرة، وهذه سحابة،‎ ‎وهذا هدهد، وهذه …، إلى آخر ‏الأسماء. تعلم آدم الأسماء كلها. الأسماء هنا هي‎ ‎العلم.. هي المعرفة.. هي القدرة على ‏الرمز للأشياء بأسماء.. غرس الله في نفس آدم‎ ‎معرفة لا نهاية لها، وحبا للمعرفة لا نهاية له، ‏ورغبة يورثها أبناءه في التعلم‎.. ‎وهذه هي الغاية من خلق آدم، وهذا هو السر في تكريمه‎.

بعد أن تعلم آدم أسماء‎ ‎الأشياء وخواصها ومنافعها، بعد أن عرف علمها، عرض الله هذه ‏الأشياء على الملائكة‎ ‎فقال‎:

أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‎

‎(‎يقصد‎ ‎صادقين في رغبتكم في الخلافة).. ونظر الملائكة فيما عرض الله عليهم، فلم يعرفوا‎ ‎أسماءه.. واعترفوا لله بعجزهم عن تسمية الأشياء أو استخدام الرمز في التعبير عنها‎.. ‎قال ‏الملائكة اعترافا بعجزهم: سُبْحَانَكَ (أي ننزهك ونقدسك)، لاَ عِلْمَ لَنَا‎ ‎إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ‏الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (ردوا العلم كله إلى‎ ‎الله‎).

قال الله تعالى لآدم‎:

يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ‎

وحدثهم آدم عن كل الأشياء التي عرضها الله عليهم ولم يعرفوا‎ ‎أسمائها‎.

قال تعالى في سورة (البقرة‎):

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء‎ ‎كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء‎ ‎هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ (31) ‏صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا‎ ‎إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ‎ ‎أَنبِئْهُم ‏بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ‎ ‎أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ‏مَا‎ ‎تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‎

أراد الله تعالى أن يقول للملائكة إنه‎ ‎علم ما أبدوه من الدهشة حين أخبرهم أنه سيخلق آدم، ‏كما علم ما كتموه من الحيرة في‎ ‎فهم حكمة الله، كما علم ما أخفاه إبليس من المعصية ‏والجحود.. أدرك الملائكة أن آدم‎ ‎هو المخلوق الذي يعرف.. وهذا أشرف شيء فيه.. قدرته ‏على التعلم والمعرفة.. وعرف‎ ‎الملائكة لماذا أمرهم الله بالسجود له.. كما فهموا السر في ‏أنه سيصبح خليفة في‎ ‎الأرض، يتصرف فيها ويتحكم فيها.. بالعلم والمعرفة.. معرفة ‏بالخالق.. وهذا ما يطلق‎ ‎عليه اسم الإيمان أو الإسلام.. وعلم بأسباب استعمار الأرض ‏وتغييرها والتحكم فيها‎ ‎والسيادة عليها.. ويدخل في هذا النطاق كل العلوم المادية على ‏الأرض‎.

إن نجاح‎ ‎الإنسان في معرفة هذين الأمرين (الخالق وعلوم الأرض) يكفل له حياة أرقى.. فكل ‏من‎ ‎الأمرين مكمل للآخر‎.


كان آدم يحس الوحدة.. ونام آدم يوما ما فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة تحدق في‎ ‎وجهه ‏بعينين جميلتين ورحيمتين.. وربما دار بينهما هذا الحوار‎:

قال آدم: لم‎ ‎تكوني هنا قبل أن أنام‎.

قالت: نعم‎.

قال: جئت أثناء نومي‎ ‎إذن؟‎

قالت: نعم‎

قال: من أين جئت…؟‎

قالت: جئت من نفسك.. خلقني‎ ‎الله منك وأنت نائم.. ألا تريد أن تستعيدني إليك وأنت ‏مستيقظ؟‎

قال آدم‎: ‎لماذا خلقك الله؟‎

قالت حواء: لتسكن إلي‎.

قال آدم: حمدا لله.. كنت أحس‎ ‎الوحدة‎

سألته الملائكة عن اسمها. قال إن اسمها حواء.. سألوه: لماذا سميتها‎ ‎حواء يا آدم؟‎

قال آدم: لأنها خلقت مني.. وأنا إنسان حي‎

وأصدر الله‎ ‎تعالى أمره لآدم بسكنى الجنة. قال تعالى في سورة (البقرة‎):

وَقُلْنَا يَا‎ ‎آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ‎ ‎شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ ‏فَتَكُونَا مِنَ‎ ‎الْظَّالِمِينَ‎

لا نعرف مكان هذه الجنة. سكت القرآن عن مكانها واختلف‎ ‎المفسرون فيها على خمسة ‏وجوه. قال بعضهم: إنها جنة المأوى، وأن مكانها السماء. ونفى‎ ‎بعضهم ذلك لأنها لو كانت ‏جنة المأوى لحرم دخولها على إبليس ولما جاز فيها وقوع‎ ‎عصيان. وقال آخرون: إنها جنة ‏المأوى خلقها الله لآدم وحواء. وقال غيرهم: إنها جنة‎ ‎من جنات الأرض تقع في مكان مرتفع. ‏وذهب فريق إلى التسليم في أمرها والتوقف.. ونحن‎ ‎نختار هذا الرأي. إن العبرة التي ‏نستخلصها من مكانها لا تساوي شيئا بالقياس إلى‎ ‎العبرة التي تستخلص مما حدث فيها‎.


لم يعد يحس آدم الوحدة. كان يتحدث مع حواء كثيرا، ويستمعان لغناء الخلائق‎ ‎وتسبيح ‏الأنهار، وموسيقى الوجود البكر، قبل أن يعرف الوجود معنى الأحزان والآلام‎. ‎وكان الله قد ‏سمح لهما بأن يقتربا من كل شيء وأن يستمتعا بكل شيء، ما عدا شجرة‎ ‎واحدة. قال الله ‏لهما قبل دخول الجنة‎:

وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ‎ ‎فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ‎

وفهم آدم وحواء أنهما ممنوعان من الأكل من‎ ‎هذه الشجرة. غير أن آدم إنسان، والإنسان ‏ينسى، وقلبه يتقلب، وعزمه ضعيف. واستغل‎ ‎إبليس إنسانية آدم وجمع كل حقده في ‏صدره، واستغل تكوين آدم النفسي.. وراح يثير في‎ ‎نفسه يوما بعد يوم. راح يوسوس إليه ‏يوما بعد يوم‎:

هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى‎ ‎شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى‎

تسائل أدم بينه وبين نفسه. ماذا‎ ‎يحدث لو أكل من الشجرة ..؟ ربما تكون شجرة الخلد حقا، ‏وكل إنسان يحب الخلود. ومرت‎ ‎الأيام وآدم وحواء مشغولان بالتفكير في هذه الشجرة. ثم ‏قررا يوما أن يأكلا منها‎. ‎نسيا أن الله حذرهما من الاقتراب منها. نسيا أن إبليس عودهما ‏القديم. ومد آدم يده‎ ‎إلى الشجرة وقطف منها إحدى الثمار وقدمها لحواء. وأكل الاثنان من ‏الثمرة المحرمة‎. ‎قال تعالى في سورة (طه‎):

وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى‎

ليس صحيحا ما‎ ‎تذكره صحف اليهود من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسئولية الأكل من ‏الشجرة. إن نص‎ ‎القرآن لا يذكر حواء. إنما يذكر آدم -كمسئول عما حدث- عليه الصلاة ‏والسلام. وهكذا‎ ‎أخطأ الشيطان وأخطأ آدم. أخطأ الشيطان بسبب الكبرياء، وأخطأ آدم بسبب ‏الفضول. احتقر‎ ‎أحدهما الإنسان، وأراد الآخر أن يجعل نفسه ندا لله بالخلود‎.

لم يكد آدم‎ ‎ينتهي من الأكل حتى أحس أن صدره ينقبض. أحس الألم والحزن والخجل. ‏اكتشف أنه عار،‎ ‎وأن زوجته عارية. اكتشف أنه رجل وأنها امرأة. وبدأ هو وزوجته يقطعان ‏أوراق الشجر‎ ‎لكي يغطي بهما كل واحد منهما جسده العاري. وأصدر الله تبارك وتعالى أمره ‏بالهبوط من‎ ‎الجنة‎.

وهبط آدم وحواء إلى الأرض. خرجا من الجنة. كان آدم حزينا وكانت حواء‎ ‎لا تكف عن البكاء. ‏وكانت توبتهما صادقة فتقبل الله منهما التوبة.. وأخبرهما الله أن‎ ‎الأرض هي مكانهما ‏الأصلي.. يعيشان فيهما، ويموتان عليها، ويخرجان منها يوم‎ ‎البعث‎.

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا‏‎ ‎تُخْرَجُونَ‎

حكى الله تعالى قصة الدرس الثالث الذي تعلمه آدم خلال وجوده في‎ ‎الجنة وبعد خروجه ‏منها وهبوطه إلى الأرض. قال الله تعالى في سورة‎ (‎طه‎):

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ‎ ‎لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ‏فَسَجَدُوا‎ ‎إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ‎ ‎وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ ‏فَتَشْقَى (117)إِنَّ لَكَ‎ ‎أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا‎ ‎تَضْحَى (119) ‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ‎ ‎عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا ‏مِنْهَا فَبَدَتْ‎ ‎لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ‎ ‎وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ‏‏(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ‎ ‎وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‎ ‎فَإِمَّا ‏يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ‎ ‎وَلَا يَشْقَى‎

يتصور بعض الناس أن خطيئة آدم بعصيانه هي التي أخرجتنا من‎ ‎الجنة. ولولا هذه الخطيئة ‏لكنا اليوم هناك. وهذا تصور ساذج لأن الله تعالى حين شاء‎ ‎أن يخلق آدم قال للملائكة: "إِنِّي ‏جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" ولم يقل لهما‎ ‎إني جاعل في الجنة خليفة. لم يكن هبوط آدم إلى ‏الأرض هبوط إهانة، وإنما كان هبوط‎ ‎كرامة كما يقول العارفون بالله. كان الله تعالى يعلم أن ‏آدم وحواء سيأكلان من‎ ‎الشجرة. ويهبطان إلى الأرض. كان الله تعالى يعلم أن الشيطان ‏سيغتصب منهما البراءة‎. ‎وكانت هذه المعرفة شيئا لازما لحياتهما على الأرض. وكانت التجربة ‏كلها ركنا من‎ ‎أركان الخلافة في الأرض. ليعلم آدم وحواء ويعلم جنسهما من بعدهما أن ‏الشيطان طرد‎ ‎الأبوين من الجنة، وأن الطريق إلى الجنة يمر بطاعة الله وعداء الشيطان. هل ‏يقال لنا‎ ‎أن الإنسان ميسر مجبور.. وأن آدم كان مجبورا سلفا على أن يخطئ ويخرج من ‏الجنة ويهبط‎ ‎إلى الأرض. حقيقة إن هذا التصور لا يقل سذاجة عن التصور الأول. كان آدم حرا ‏تمام‎ ‎الحرية. ولهذا تحمل تبعة عمله‎.

عصى وأكل الشجرة فأخرجه الله من الجنة‎.. ‎معصيته لا تنافي حريته. بل إنها تستمد ‏وجودها الأصلي من حريته. كل ما في الأمر أن‎ ‎الله كان يعلم سلفا ما سيحدث، يعلم الله ‏الأشياء قبل حدوثها، ولكنه لا يدفعها دفعا‎ ‎أو يقهرها قهرا على الحدوث. إن الله يعطي الحرية ‏لعباده ومخلوقاته‎.

ويرتب‎ ‎على ذلك حكمته العليا في تعمير الأرض وإقامة الخلافة فيها‎.‎


فهم آدم الدرس الثالث. فهم أن إبليس عدوه. فهم بشكل عملي أن إبليس هو السبب في‎ ‎فقدانه للنعيم وفي شقائه. فهم أن الله يعاقب على المعصية. وأن الطريق إلى الجنة يمر‎ ‎بطاعة الله. فهم أن الله يقبل التوبة ويعفو ويرحم ويجتبي. علمهما الله تعالى أن‎ ‎يستغفرا ‏قائلين‎:

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ‎ ‎لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‎

وقبل الله توبته وعفا‎ ‎عنه وأرسله إلى الأرض. أول رسول لأبنائه‎.

بدأت حياة آدم على الأرض. خرج من‎ ‎الجنة مهاجرا إلى الأرض.. واستن بذلك لأبنائه وأحفاده ‏من الأنبياء سنة‎ ‎الخروج‎.

لا يكاد النبي يبدأ دعوته إلى ربه حتى يضطره قومه إلى الخروج‎.. ‎والهجرة‎.

هناك في الجنة خرج آدم قبل نبوته، وهنا في الأرض يخرج الأنبياء بعد‎ ‎نبوتهم عادة‎.

عرف آدم أنه ودع السلام حين خرج من الجنة‎.

هنا في الأرض‎ ‎كان عليه أن يواجه شقاء وصراعا لا ينتهي أحدهما إلا ليبدأ الآخر، وكان عليه ‏أن يشقى‎ ‎ليأكل، كان عليه أن يحمي نفسه بالملابس والأسلحة، ويحمي زوجته وأطفاله ‏من الحيوانات‎ ‎والوحوش التي تعيش في الأرض. وكان عليه قبل هذا كله وبعده أن يستمر ‏في صراعه مع روح‎ ‎الشر. إن الشيطان هو السبب في خروجه من الجنة. وهو في الأرض ‏يوسوس له ولأولاده‎ ‎ليدخلهم الجحيم. والمعركة بين الخير والشر لا تتوقف، ومن يتبع هدى ‏الله فلا خوف‎ ‎عليه ولا يحزن. ومن يعص الله، ويتبع المخلوق الناري إبليس فهو معه في‎ ‎النار‎.

فهم آدم هذا كله مع الشقاء الذي بدأت به حياته على الأرض. الشيء‎ ‎الوحيد الذي كان ‏يخفف حزنه. أنه قد جاء سلطانا عليها. وعليه أن يخضعها، ويستعمرها،‎ ‎ويزرعها ويبنيها ‏ويعمرها، ينجب فيها نسلا يكبرون ويغيرون شكل الحياة ويجعلونه‎ ‎أفضل‎.

كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا‎ ‎وبنتا. فيحل زواج ابن البطن ‏الأول من البطن الثاني.. وكبر أبناء آدم وتزوجوا،‎ ‎وملئوا الأرض نسلا.. ودعاهم آدم إلى الله ‏تعالى‎.

وقدر لآدم أن يشهد أول‎ ‎انحياز من أحد أبنائه لروح الشر إبليس. وقعت أول جريمة قتل على ‏الأرض. قتل أحد‎ ‎أبناء آدم شقيقه. قتل الشرير أخاه الطيب. قال تعالى في سورة‎ (‎المائدة‎):

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ‎ ‎قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ‎

يقال أن القاتل كان يريد زوجة شقيقه لنفسه.. وأمرهما آدم أن يقدما قربانا،‎ ‎فقدم كل واحد ‏منهما قربانا، فتقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر‎.

قَالَ‎ ‎لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن‎ ‎بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ‏يَدِيَإِلَيْكَ‎ ‎لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ‎

لاحظ كيف ينقل‎ ‎إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد ‏القاتل‎ ‎يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء‎:

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي‎ ‎وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء‎ ‎الظَّالِمِينَ‎

انتهى الحوار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد‎ ‎أيام.. كان الأخ الطيب نائما ‏وسط غابة مشجرة.. مات في نفس الغابة حمار عجوز فأكلت‏‎ ‎النسور لحمه وشربت الأرض ‏دمه وبقي فكه العظمي ملقى على الأرض.. حمله الشرير وتوجه‎ ‎نحو شقيقه النائم، ورفع ‏يده وأهوى بها بعنف وسرعة‎.

ارتج الوجه الطيب حين‎ ‎انبثق منه الدم واستيقظ، كان يحلم وهو نائم وترتسم على شفتيه ‏ابتسامة فغطت دماؤه‎ ‎بسمته.. وعاد القتيل ينهال على شقيقه حتى سكنت حركته.. أدرك ‏القاتل أن شقيقه فارق‎ ‎الحياة‎.

جلس القاتل أمام القتيل ساكنا مصفر الوجه. قال رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم: "لا تقتل ‏نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول‎ ‎من سن القتل". جلس ‏القاتل أمام شقيقه المضرج في دمه. ماذا يقول لأبيه آدم لو سأل‎ ‎عنه؟ لقد شاهدهما ‏يخرجان معا. فكيف يعود وحده؟ ولو أنكر أمام أبيه أنه قتل شقيقه،‎ ‎فأين يخفي جثته؟ أين ‏يذهب بها؟ كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم‎ ‎يكن دفن الموتى شيئا ‏قد عرف بعد. وحمل الأخ جثة شقيقه وراح يمشي بها.. مزق الهواء‎ ‎صوت طائر يصرخ. أفزعته ‏الصرخة وملأت نفسه بشؤم مجهول. التفت القاتل، فوجد غرابا حيا‎ ‎يصرخ فوق جثة غراب ‏ميت. وضع الغراب الحي الغراب الميت على الأرض وساوى أجنحته إلى‎ ‎جواره وبدأ يحفر ‏الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر ثم صرخ صرختين قصيرتين وعاد‏‎ ‎يهيل عليه التراب.. ‏بعدها طار في الجو وهو يصرخ‎.

وقف القاتل وانكفأ على جثة‎ ‎شقيقه.. صرخ‎:

قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا‎ ‎الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخي‎

اندلع حزنه على أخيه كالنار فأحرقه‎ ‎الندم. اكتشف فجأة. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، ‏قد قتل الأفضل والأقوى. نقص‎ ‎أبناء آدم واحدا. وكسب الشيطان واحدا من أبناء آدم. واهتز ‏جسد القاتل ببكاء عنيف ثم‎ ‎أنشب أظافره في الأرض وراح يحفر قبر شقيقه. قال آدم حين ‏عرف القصة‎:

هَذَا‎ ‎مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ‎

وحزن حزنا‎ ‎شديدا على خسارته في ولديه. مات أحدهما، وكسب الشيطان الثاني‎.

صلى آدم على‎ ‎ابنه، وعاد إلى حياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا ‏يعظ أبنائه‎ ‎وأحفاده ويحدثهم عن الله ويدعوهم إليه، ويحكي لهم عن إبليس ويحذرهم منه. ‏ويروي لهم‎ ‎قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه‎.

وكبر آدم‎. ‎ومرت سنوات وسنوات.. وعلى فراش من أغصان الشجر والورد يرقد آدم بلحيته ‏البيضاء‎ ‎ووجهه الطيب. أبناؤه جميعا يقفون حوله في انتظار وصيته. وتحدث آدم فأفهم أبناءه ‏أن‎ ‎هناك سفينة واحدة لنجاة الإنسان، وسلاحا واحدا لانتصاره، هذه السفينة هي هدى الله،‎ ‎وهذا السلاح هو كلمات الله‎.

طمأن آدم أبناءه بأن الله لن يترك الإنسان وحده‎ ‎على الأرض.. إنما سيرسل أنبياءه لهدايته ‏وإنقاذه. وسيختلف الأنبياء في الأسماء‎ ‎والصفات والمعجزات.. ولكنهم سيجمعون على شيء ‏واحد: الدعوة إلى عبادة الله‏‎ ‎وحده‎.

وتلك كانت وصية آدم لأبنائه‎.

انتهى آدم من وصيته وأغمض عينيه،‎ ‎دخل الملائكة حجرته وأحاطوا به وتعرف بينهم على ‏ملك الموت.. وابتسم قلبه للسلام‎ ‎العميق.. وهبت على روحه رائحة أزهار الجنة‎.‎
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.mbarekhm.jeeran
 
آدم عليه السلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
وحدة الكشاف شعارنا قوة...أخوة...فتوة :: إسلاميات :: نصائح دينية-
انتقل الى: